صدى الزواقين وزان وجبالة

صدى الزواقين Echo de Zouakine
صدى الزواقين وزان وجبالة echo de zouakine ouezzane et jbala

صدى الزواقين وزان وجبالة ذكريات تراث تقاليد تعارف ثقافة وترفيه


السيرة النبوية على ضوء المذاهب الحديثة فى كتابة التاريخ

شاطر
avatar
الشيخ الداودي
راقي ومعالج
راقي ومعالج

عدد الرسائل : 1046
ذكر

تاريخ التسجيل : 20/07/2008
نقاط : 1858

default السيرة النبوية على ضوء المذاهب الحديثة فى كتابة التاريخ

مُساهمة من طرف الشيخ الداودي في الثلاثاء 5 يوليو 2011 - 2:05

السيرة النبوية على ضوء المذاهب الحديثة فى كتابة التاريخ

فى القرن التاسع عشر ظهرت طرائق كثيرة فى كتابة التاريخ
وتدوينه ’ الى جانب الطريقة الموضوعية أو ما يسمونه بالمذهب العلمى ’ وقد تلاقى
معظم هذه المذاهب فيما أطلق عليه اسم
المذهب الذاتى . ويعد ( فرويد ) من أكبر الدعاة اليه و المتحمسين له .

ولا يرى أقطاب هذا المذهب من ضير فى أن يقحم المؤرخ نزعته
الذاتية أو إتجاهه الفكرى أو الدينى أو السياسى ’ فى تفسير الأحداث وتعليلها و
الحكم على أبطالها ... بل أنهم يرون أن هذا واجب المؤرخ ’ لا مجرد وصف الأخبار
وتجميع الوقائع العارية . وهذه الطريقة تجعل كتابة التاريخ وتدوينه عملا فنيا مجردا
’ ولا تسمح بعدّه نهوضا بعمل علمى دقيق .


ونحن وإن كنا لسنا بصدد الحديث عن المذاهب التاريخية ونقدها ’ ةفإن علينا ألاّ نخفى أسفنا من أن يجد هذا المذهب - فى عصر
العلم والإعتزاز به وبمنهجه - دعاة إليه
ومؤمنين به . ذلك لأن هذا المذهب كفيل أن
يمزق جميع الحقائق و الأحداث التى يحتضنها الزمن فى هيكله القدسى القديم الماثل
أمام الأجيال ’ بفعل سجات من أخيلة التوسم وشهوة الذات و عصبية النفس والهوى . وكم
من حقيقة مسخت ’ وأحداث نكّست ’ وأمجاد دثرت ’ وبرآء ظلموا تحت سلطان هذه المحكمة الوهمية الجائرة .
فهل كان لهذا المذهب الجديد من تأثير على كتابة السيرة النبوية وطريقة تحليلها ؟


و الحقيقة أن هذه المذهب الجديد فى كتابة التاريخ قد أصبح
أساسا لمدرسة جديدة فى دراسة السيرة النبوية وفهمها عند طائفة من الباحثين . فكيف نشأت هذه المدرسة ؟ .... وما هى عوامل
نشأتها ؟ ....وما مصيرها اليوم ؟
...


تعود نشأة هذه
المدرسة الى أيام الإحتلال البريطانى لمصر ’ لقد كانت مصر آنذاك منبر العالم
الإسلامى ’ يعنو إليه بتفكيره وعقله كلما
أراد أن يعلم عن الإسلام علما ’ كما يعنو الى كعبة الله بوجهه كلما أراد حجا أو
صلاة . وكان فى إستمرار هذا الصوت العظيم
من جانب ’ وفى إستمرار إنصات العالم
الإسلامى اليه من جانب آخر ’ ما لا يدع للإحتلال البريطانى فرصة هدوء أو إستقرار .
ومهما أخضعت بريطانيا لنفسها الوادى كله تحت سلطان من قوة الحديد و النار . وإنه
خضوع موقوت لا يطمإن اليه ’ ما بقيت للأزهر هذه القيادة الحية .




لذا فقد كان لابد
للإحيلال البريطانى من الإقدام على أحد علاجين لا ثالث لهما :


أولهما : أن يقطع ما بين الأزهر و الأمة ’ بحيث لا يبقى له
عليه سلطان .


ثانيهما : أن يتم التسلل الى مركز العمليات القيادية فى الأزهر
ذاته ’ فتوجه قيادته الوجهة التى ترضى مصالح الإحتلال وتهىء له أسباب الطمأنينة و
الإستقرار .


ولم تتردد بريطانيا
فى إختيار العلاج الثانى ’ نظراً الى أنه أقرب منالا وأبعد عن الملاحظة و الإنتباه .


وكان السبيل الوحيد الى هذا التسلل نحو القيادة العلمية و
الفكرية داخل الأزهر ’ الإعتماد على نقطة ضعف أليمة كانت تعانى منها مشاعر الأمة
الإسلامية عامة ’ بما فيها مصر وغيرها .
وهى إحساس المسلمين بما إنتابهم من الضيعة والتخلف و الشتات ’ الى جانب
ملاحظتهم للنهضة العجيبة التى نهضها الغرب
فى شتى المجالات الفكرية و العلمية و الحضارية ‍ لقد
كان المسلمون يتطلعون ولا ريب الى اليوم
الذى يتحررون فيه من الأثقال التى خلفتهم
الى الوراء ’ ليشتركوا مع الآخرين
فى رحلة الحضارة و المدنية و العلم الحديث
.

من هذا السبيل تسلل
الهمس ’ بل الكيد الإستعمارى الى صدور بعض قادة الفكر فى مصر ’ ولقد كان مؤدى هذا
الهمس أن الغرب لم يتحرر من أغلاله ’ إلا يوم أخضع الدين لمقاييس العلم .....
فالدين شىء و العلم شىء آخر ’ ولا يتم
التوفيق بينهما إلا بإخضاع الأول للثانى .




وإذا كان العالم
الإسلامى حريصا حقا على مثل هذا التحرر
فلا مناص له من أن يسلك الطريق ذاته ’ وأن يفهم الإسلام هنا ’ كما فهم الغرب النصرانية هناك . ولا يتحقق
ذلك إلا بتخليص الفكر الإسلامى من سائر الغيبيات التى لاتفهم ولا تخضع لمقاييس العلم الحديث .


وسرعان ما خضع لهذا الهمس ’ أولئك إنبهرت أبصارهم بمظاهر
النهضة الأوروبية الحديثة ’ ممن لم تترسخ حقائق الإيمان بالله
تعالى فى قلوبهم ولا تجلت حقائق العلم الحديث و ضوابطه فى
عقولهم . فتنادو فيما بينهم الى التحرر من كل عقيدة غيبية لم تصل إليها
إكتشافات العلم الحديث ’ ولم تدخل تحت سلطان
التجربة و المشاهدة الإنسانية .


فكان أن قاموا بما
أسمى فيما بعد بالإصلاح
الدينى . واقتضى منهم ذلك أمورا عديدة ’
منها تطوير كتابة السيرة النبوية وفهمها ’
واعتماد منهج جديد فى تحليلها ’ يتفق مع ما استهدفوه من الإعراض عن كل ما يدخل فى نطاق الغيبيات و الخوارق التى لا
يقف العلم الحديث منها موقف فهم أو قبول . ولقد كان لهم فى الطريقة الذاتية فى
كتابة التاريخ خير ملجأ يعينهم على تحقيق ما قصدوا إليه . وبدأت تظهر كتب وكتابات فى السيرة
النبوية ’ تستبدل بميزان الرواية و السند
وقواعد التحديث وشروطه ’ طريقة الإستنتاج الشخصى ’ وميزان الرضى النفسى ’ ومنهج
التوسم الذى لا يضبطه شىء إلا دوافع
الرغبة ’ وكوامن الأغراض و المذاهب التى يضمرها المؤلف .




واعتمادا على هذه الطريقة أخذ يستبعد هؤلاء الكاتبون كل ما قد يخالف المألوف ’ مما يدخل فى
باب المعجزات و الخوارق من سيرته صلى الله
عليه وسلم . وراحوا يروجون له صفة العبقرية
و العظمة و البطولة وما شاكلها ’
شغلا للقارىء بها عن صفات قد تجره الى غير المألوف من النبوة و الوحى و الرسالة
ونحنوها مما يشكل المقومات الأولى لشخصية
النبى صلى الله عليه وسلم .


ويعد كتاب محمد حسين هيكل ( حياة محمد ) أبرز نموذج لهذا
الإتجاه فى كتابة السيرة النبوية . ويعبر
مؤلفه عن إتجاهه هذا بصراحة وفخر عندما يقول ( إننى لم آخذ بما سجلته كتب السيرة و
الحديث ’ لأننى فضلت أن أجرى فى هذا البحث على الطريقة العلمية ) !


ومن نماذج هذه الطريقة الحديثة فى كتابة السيرة وفهمها . تلك المقالات المتتابعة التى نشرها
المرحوم محمد فريد وجدى فى مجلة نور الإسلام تحت عنوان ( السيرة المحمدية تحت
ضوء العلم و الفلسفة ) و التى يقول فى بعض
منها ( وقد لاحظ قراؤنا أننا حرصنا
كل الحرص فيما نكتبه فى هذه السيرة ’ على الاّ نسرف فى كل ناحية من نواحى الإعجاز ’ ما دام
يمكن تعليلها بالأسباب العادية حتى ولو بشىء من التكلف ) .


ومن نماذج هذه الطريقة أيضا تلك الكتابات الكثيرة التى ظهرت لطائفة من المستشرقين عن
حياة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ’ فى نطاق أعمالهم وكتاباتهم التاريخية التى
قامت على المنهج الذاتى الذى ألمحنا إليه
آنفا .




إنك لترا هم يمجدون شخص محمد صلى الله عليه وسلم ’ وينوهون بعظمته وصفاته الحميدة بعيدا عن كل
ما قد ينبه القارىء الى شىء من معانى النبوة أو الوحى فى حياته ’ وبعيدا عن
الإهتمام بالأسانيد و
الروايات التى قد يضطرهم الأخذ بها الى
اليقين بأحداث ووقائع ليس من صالحهم إعتمادها أو الإهتمام بها . وهكذا وجد أبطال هذه المدرسة الجديدة ’ فى
إتباع المذهب الذاتى فى كتابة التاريخ ’ الميدان الفسيح الذى يمكنهم من نبذ كل ما
لا يعجبهم من حقائق السيرة النبوية مهما
جاءت مدعومة بدلائل العلم اليقين ’ متخذين من ميولهم النفسية ’ ورغباتهم الشخصية و
أهدافهم البعيدة ’ حاكما مطلقا على حقائق التاريخ وتحليل ما وراءه من العوامل ’
وحكما مطلقا لقبول ما ينبغى قبوله ورفض ما يجب رفضه . لقد رأينا- مثلا - أن كل خارقة مما قد جاء به
متواتر السنة ’ وربما صريح القرآن ’ تؤول
ولو بتكلف وتمحل ’ بما يعيدها الى الوفاق المألوف ’ وبما يجعلها تنسجم مع الغرض المطلوب .


فطير الأبابيل ’ يؤول
- على الرغم من أنف الآية الصريحة الواضحة
- بداء الجدرى .


و الإسراء الذى جاء به صريح القرآن ’ يحمل على سياحة
الروح وعالم الرؤى .


و الملائكة الذين أمد الله بهم المسلمين فى غزوة بدر يؤولون
بالدعم المعنوى الذى أكرمهم الله به
!


وآخر المضحكات العجيبة التى جاءت على هذا الطريق ’ تفسير
النبوة فى حياة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم و إيمان الصحابة به وعموم الفتح الإسلامى ’ بأن جميعه لم تكن إلا
ثورة يسار ضد يمين ’ أثارتها النوازع
الإقتصادية إنتجاعا للرزق وطلبا للتوسع ’
وألهبتها ردود الفعل لدى الفقراء ضد الأغنياء و أصحاب الإقطاع ..... !


وبعد فقد كانت هذه الطريقة فى دراسة السيرة النبوية خصوصا ’ و
التارخ الإسلامى عموما مكيدة خطيرة عشيت عن رؤيتها أعين البسطاء من بعض المسلمين
وصادقت هوى وقبول حسناً عند طائفة أخرى من
المنافقين و أصحاب الأهواء .




لقد غاب عن أعين أولئك
البسطاء ’ أن ذلك الهمس الإستعمارى
الذى يدعو المسلمين الى ما أسموه
بثورة الإصلاح فى شئون العقيدة الإسلامية ’ إنما تستهدف فى الحقيقة نسف هذه العقيدة
من جذورها .


وغاب عنهم أن تفريغ الإسلام من حقائقه الغيبية ’ إنما يعنى
حشوه بمنجزات ناسفة تحيله أثرا بعد عين .
ذلك لأن الوحى الإلهى - وهو ينبوع الإسلام ومصدره - يعدّ قمة الخوارق و الحقائق
الغيبية كلها . ولا ريب أن الذى يسرع الى رفض ما قد جاء فى السيرة
النبوية من خوارق العادات ’ بحجة إختلافها
عن مقتضى سنن الطبيعة و مدارك العلم الحديث ’ يكون أسرع لرفض الوحى الإلهى كله بما
يتبعه و يتضمنه من إخباراته عن النشور و الحساب و الجنة و النار بالحجة الطبيعية ذاتها .


كما غاب عنهم أن
الدين الصالح فى ذاته لا يحتاج فى عصر ما الى مصلح يتدارك شأنه ’ أو إصلاح يغير من
جوهره.


غاب عن هؤلاء الناس هذا كله ’ مع أن إدراكهم له كان من أبسط
مقتضيات العلم ’ لو كانوا يتمتعون بحقيقته
وينسجمون مع منطقيته . ولكن أعينهم غشيت فى غمرة إنبهارها بالنهضة الأوروبية
الحديثة وما قد حف بها من شعارات العلم و ألفاظه ’ فلم تبصر من حقائق
المنطق و العلم إلا عناوينها وشعاراتها ’
وقد كانوا بأمس الحاجة الى فهم كامل لما
وراء تلك العناوين والى هضم صحيح لمضمون
تلك الشعارات . فلم يعد يستأثر بتفكيرهم
إلا خيال نهضة ( إصلاحية ) تطور العقيدة
الإسلامية هنا كما تطورت العقيدة النصرانية هناك .


وهكذا ’ فقد كان عماد هذه المدرسة الحديثة التى أشرنا اليها بإيجاز
هياجا فى النفس ’ أكثر من أن يكون حقيقة علمية مدروسة إستحوذت على العقل .






توقيع-الشيخ الداودي-اتق الله ترى عجبا

    الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء 18 يوليو 2018 - 0:29